محمد بن جرير الطبري
174
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
القاتلة بالنفس المقتولة ظلما ، وافقأ العين بالعين ، واجدع الأنف بالأنف ، فإني أنزلت إليك القرآن مصدقا في ذلك ما بين يديه من الكتب ، ومهيمنا عليه ، رقيبا يقضي على ما قبله من سائر الكتب قبله . ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود الذين يقولون : إن أوتيتم الجلد في الزاني المحصن دون الرجم ، وقتل الوضيع بالشريف إذا قتله ، وترك قتل الشريف بالوضيع إذا قتله ، فخذوه ، وإن لم تؤتوه فاحذروا عن الذي جاءك من عند الله من الحق ، وهو كتاب الله الذي أنزله إليك . يقول له : اعمل بكتابي الذي أنزلته إليك إذا احتكموا إليك ، فاختر الحكم عليهم ، ولا تتركن العمل بذلك اتباعا منك أهواءهم وإيثارا لها على الحق الذي أنزلته إليك في كتابي . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يقول : بحدود الله ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا هارون ، عن عنبسة ، عن جابر ، عن عامر ، عن مسروق : أنه كان يحلف اليهودي والنصراني بالله ؛ ثم قرأ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وأنزل الله : أن لا يشركوا به شيئا . القول في تأويل قوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً يقول تعالى ذكره : لكل قوم منكم جعلنا شرعة . والشرعة : هي الشريعة بعينها ، تجمع الشرعة شراعا ، والشريعة شرائع ، ولو جمعت الشرعة شرائع كان صوابا ، لأن معناها ومعنى الشريعة واحد ، فيردها عند الجمع إلى لفظ نظيرها . وكل ما شرعت فيه من شيء فهو شريعة ، ومن ذلك قيل لشريعة الماء : شريعة ، لأنه يشرع منها إلى الماء ، ومنه سميت شرائع الإسلام شرائع ، لشروع أهله فيه ، ومنه قيل للقوم إذا تساووا في الشيء : هم شرع سواء . وأما المنهاج ، فإن أصله : الطريق البين الواضح ، يقال منه : هو طريق نهج ومنهج بين ، كما قال الراجز : من يك في شك فهذا فلج * ماء رواء وطريق نهج ثم يستعمل في كل شيء كان بينا واضحا سهلا . فمعنى الكلام ، لكل قوم منكم جعلنا طريقا إلى الحق يؤمه وسبيلا واضحا يعمل به . ثم اختلف أهل التأويل في المعني بقوله : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ فقال بعضهم : عنى بذلك أهل الملل المختلفة ، أي أن الله جعل لكل ملة شريعة ومنهاجا . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً يقول سبيلا وسنة . والسنن مختلفة : للتوراة شريعة ، وللإنجيل شريعة ، وللقرآن شريعة ، يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء بلاء ، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه ، ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به الرسل حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قوله : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً قال : الدين واحد ، والشريعة مختلفة حدثنا المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن هاشم ، قال : أخبرنا سيف بن عمر ، عن أبي روق ، عن أبي أيوب ، عن علي ، قال : الإيمان منذ بعث الله تعالى ذكره آدم صلى الله عليه وسلم شهادة أن لا إله إلا الله ، والإقرار بما جاء من عند الله ، لكل قوم ما جاءهم من شرعة أو منهاج ، فلا يكون المقر تاركا ولكنه مطيع وقال آخرون : بل عنى بذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم . وقالوا : إنما معنى الكلام : قد جعلنا الكتاب الذي أنزلناه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أيها الناس لكلكم : أي لكل من دخل في الإسلام وأقر بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه لي نبي ، شرعة ومنهاجا . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن حريج ، عن مجاهد ، قوله : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً قال : سنة وَمِنْهاجاً السبيل لكلكم ، من دخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد جعل الله له شرعة ومنهاجا ، يقول : القرآن هو له شرعة ومنهاج وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال : معناه : لكل أهل ملة منكم أيها الأمم جعلنا شرعة ومنهاجا . " ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة " وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لقوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً